The Travels

ذكر بعض فضائل مولانا أيده الله
Read with the dictionary

قال ابن جزي: لم يزل الملوك الأقدمون تتفاخر بقتل الآساد وهزائم الأعادي، ومولانا أيده الله كان قتل الأسد أهون عليه من قتل الشاة على الأسد، فإنه لما خرج الأسد على الجيش بوادي النجارين من المعمورة بحوز سلا، وتحامته الأبطال، وفرت أماه الفرسان والرجال، برز إليه مولانا أيده الله غير محتفل به، ولا متهيب منه، فطعنه بالرمح ما بين عينيه طعنة خر بها صريعاً لليدين وللفم. وأما هزائم الأعادي فإنها اتفقت للملوك بثبوت جيوشهم وإقدام فرسانهم، فيكون حظ الملوك الثبوت والتحريض على القتال. وأما مولانا أيده الله فإنه أقدم على عدوه منفرداً بنفسه الكريمة، بعد علمه بفرار الناس، وتحققه أنه لم يبق معه من يقاتل. فعند ذلك وقع الرعب في قلوب الأعداء، وانهزموا أمامه. فكان من العجائب فرار الأمم أمام واحد. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والعاقبة للمتقين، وما هو إلا ثمرة ما يمتاز به أعلى مقامه من التوكل على الله والتفويض إليه. وأما اشتغاله بالعلم فها هو أيده الله تعالى يعقد مجالس العلم في كل يوم بعد صلاة الصبح، ويحضر لذلك أعلام الفقهاء ونجباء الطلبة بمسجد قصره الكريم، فيقرأ بين يديه تفسير القرآن العظيم، وحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، وفروع مذهب مالك رضي الله عنه، وكتب المتصوفة. وفي كل علم منها. له القدح المعلى، يجلو مشكلاته بنور فهمه، ويلقى نكته الرائقة من حفظه. وهذا شأن الأئمة المهتدين والخلفاء الراشدين.

ولم أر من ملوك الدنيا من باغت عنايته بالعلم إلى هذه النهاية. فقد رأيت ملك الهند يتذاكر بين يديه بعد صلاة الصبح في العلوم المعقولات خاصة، ورأيت ملك الجاوة يتذاكر بين يديه بعد صلاة الجمعة في الفروع على مذهب الشافعي، وكنت أعجب من ملازمة ملك تركستان لصلاتي العشاء الآخرة والصبح في الجماعة، حتى رأيت ملازمة مولانا، أيده الله، في الصلوات كلها في الجماعة وقيام رمضان: " والله يختص برحمته من يشاء " .

قال ابن جزي: لو أن عالماً ليس له شغل إلا بالعلم ليلاً ونهاراً، لم يكن يصل إلى أدنى مراتب مولانا أيده الله في العلوم، مع اشتغاله بأمور الأمة، وتدبيره لسياسة الأقاليم النائية، ومباشرته من حال ملكه مالم يباشره أحد من الملوك، ونظره بنفسه في شكايات المظلومين. ومع ذلك كله فلا تقع بمجلسه الكريم مسألة علم في أي علم كان، إلا جلا مشكلها، وباحث في دقائقها، واستخرج غوامضها، واستدرك على علماء مجلسه ما فاتهم من مغلقاتها. ثم سما أيده الله إلى العلم الشريف التصوفي، ففهم إشارات القوم، وتخلق بأخلاقهم. وظهرت آثار ذلك في تواضعه مع رفعته، وشفقته على رعيته، ورفقه في أمره كله. وأعطى للآداب حظاً جزيلاً من نفسه، فاستعمل أحسنها منزعاً، وأعظمها موقعاً، وصارت عنه الرسالة الكريمة والقصيدة اللتان بعثهما إلى الروضة الشريفة المقدسة الطاهرة، روضة سيد المرسلين وشفيع المذنبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكتبهما بخط يده الذي يخجل الروض حسناً.

وذلك شيء لم يتعاط أحد من ملوك الزمان إنشاءه، ولا رام إدراكه. ومن تأمل التوقيعات الصادرة عنه أيده الله تعالى، وأحاط علماً بحصولها، لاح له فضل ما وهب الله لمولانا من البلاغة التي فطره عليها، وجمع له بين الطبيعي والمكتسب منها. وأما صدقاته الجارية، وما أمر به من عمارة الزوايا بجميع بلاده لإطعام الطعام للوارد والصادر، فذلك ما لم يفعله أحد من الملوك، غير السلطان أتابك أحمد. وقد زاد عليه مولانا أيده الله بالتصدق على المساكين بالطعام كل يوم والتصدق بالزرع على المتسترين من أهل البيوت.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account