قال ابن جزي: اخترع مولانا أيده الله في الكرم والصدقات أموراً لم تخطر في الأوهام، ولا اهتدت إلأيها السلاطين. فمنها إجراء الصدقات على المساكين بكل بلد من بلاده علىالدوام. ومنها تعيين الصدقة الوافرة للمسجونين في جميع البلاد أيضاً، ومنها كون تلك الصدقات خبزاً مخبوزاً متيسراً للانتفاع به، ومنها كسوة المساكين والضعفاء والعجائز والمشايخ والملازمين للمساجد بجميع بلاده، ومنها تعيين الضحايا لهؤلاء الأصناف في عيد الأضحى، ومنها التصدق بما يجتمع في مجابي أبواب بلاده يوم سبعة وعشرين من رمضان إكراماً لذلك اليوم الكريم وقياماً بحقه، ومنها إطعام الناس في جميع البلاد ليلة المولد الكريم، واجتماعهم لإقامة رسمه، ومنها إعذار اليتامى من الصبيان وكسوتهم يوم عاشوراء، ومنها صدقته على الزمنى والضعفاء بأزواج الحرث، يقيمون بها أودهم، ومنها صدقته على المساكين بحضرته بالطنافس الوثيرة والقطائف الجياد يفترشونها عند رقادهم.
وتلك مكرمة لا يعلم لها نظير، ومنها بناء المرستانات في كل بلد من بلاده، وتعيين الأوقاف الكثيرة لمؤن المرضى، وتعيين الأطباء لمعالجتهم والتصرف في طلبهم، إلى غير ذلك مما أبدع فيه من أنواع المكاره، وضروب المآثر، كافأ الله أياديه، وشكر نعمه. وأما رفعه للمظالم عن الرعية، فمنها الرتب التي كانت تؤخذ بالطرقات، أمر أيده الله بمحو رسمها، وكان لها مجبى عظيم، فلم يلتفت إليه، وما عند الله خير وأبقى، وأما كفه أيدي الظلام فأمر مشهور، وقد سمعته أيده الله يقول لعماله: لا تظلموا الرعية، ويؤكد عليهم تلك الوصية.
قال ابن جزي: ولو لم يكن من رفق مولانا أيده الله برعيته إلى رفعه التضييف الذي كانت عمال الزكاة وولاة البلاد تأخذه من الرعايا، لكفى ذلك أثراً في العدل ظاهراً ونوراً في الرفق باهراً، فكيف وقد رفع من المظالم وبسط من المرافق ما لا يحيط به الحصر. وقد صدر في أيام تصنيف هذا من أمره الكريم في الرفق بالمسجونين، ورفع الوظائف الثقيلة التي كانت تؤخذ منهم، ما هو اللائق بإحسانه، والمعهود من رأفته، وشمل الأمر بذلك جميع الأقطار، وكذلك صدر من التنكيل بمن ثبت جوره من القضاة والحكام، ما فيه زجر الظلمة وردع المعتدين.
وأما فعله في معاونة أهل الأندلس على الجهاد، ومحافظته على إمداد الثغور بالأموال والأقوات والسلاح، وفته في عضد العدو بإعداد العدد وإظهار القوة، فذلك أمر شهير، لم يغب علمه عن أهل المغرب والمشرق، ولا سبق إليه أحد من الملوك.
قال ابن جزي: حسب المتشوف إلى علم ما عند مولانا أيده الله من سداد القطر إلى المسلمين، ودفاع القوم الكافرين، ما فعله في فداء مدينة طرابلس أفريقية. فإنها لما استولى العدو عليها، ومد يد العدوان إليها، ورأى، أيده الله، أن بعث الجيوش إلى نصرتها لا يتأتى لبعد الأقطار، كتب إلى خدامه ببلاد إفريقية أن يفدوها بالمال. ففديت بخمسين ألف دينار من الذهب العين. فلما بلغه خبر ذلك قال: الحمد لله الذي استرجعها من أيدي الكفار بهذا النزر اليسير. وأمر للحين ببعث ذلك العدد إلى إفريقية، وعادت المدينة إلى الإسلام على يديه. ولم يخطر في الأوهام أن أحداً تكون عنده خمسة قناطير من الذهب نزراً يسيراً حتى جاء بها مولانا أيده الله مكرمة بعيدة، ومأثرة فائقة، قل في الملوك أمثالها وعز عليهم مثالها. ومما شاع من أفعال مولانا أيده الله في الجهاد إنشاؤه الأجفان بجميع السواحل، واستكثاره من عدد البحر، وهذا في زمان الصلح والمهادنة، إعداداً لأيام الغزاة. وأخذ بالحزم في قطع أطماع الكفار، وأكد ذلك بتوجهه، أيده الله، بنفسه إلى جبال جاناته في العام الفارط ليباشر قطع الخشب للإنشاء، ويظهر قدر ما له بذلك من الاعتناء، ويتولى بذاته أعمال الجهاد، مترجياً ثواب الله تعالى، وموقناً بحسن الجزاء.