The Travels

ذكر بعض فضائل مولانا أيده الله
Read with the dictionary

قال ابن جزي: جبل الفتح هو معقل الإسلام المعترض شجىً في حلوق عبدة الأصنام، حسنة مولانا أبي الحسن، رضي الله عنه، المنسوبة إليه، وقربته التي قدمها نوراً بين يديه، محل عدد لجهاد، ومقر آساد الأجناد، والثغر الذي افتر عن نصر الإيمان، وأذاق أهل الأندلس بعد مرارة الخوف حلاوة الأمان، ومنه كان مبدأ الفتح الأكبر، وبه نزل طارق بن زياد، مولى موسى بن نصير، عند جوازه، فنسب إليه، فيقال له: جبل طارق، وجبل الفتح، لأن مبدأه كان منه. وبقايا السور الذي بناه من معه باقية إلى الآن، تسمى بسور العرب. شاهدتها أيام إقامتي به عند حصار الجزيرة، أعادها الله، ثم فتحه مولانا أبو الحسن، رضوان الله عليه، واسترجعه من أيدي الروم بعد تملكهم له عشرين سنة ونيفاً، وبعث إلى حصاره ولده الأمير الجليل أبا مالك، وأيده بالأموال الطائلة والعساكر الجرارة. وكان فتحه بعد حصار ستة أشهر، وذلك في عام ثلاثة وثلاثين وسبعمائة، ولم يكن حينئذٍ على ما هو الآن عليه. فبنى به مولانا أبو الحسن، رحمة الله عليه، المأثرة العظمى بأعلى الحصن، وكانت قبل ذلك برجاً صغيراً، تهدم بأحجار المجانيق، فبناها مكانه، وبنى به دار الصناعة، ولم يكن به دار صنعة، وبنى السور الأعظم المحيط بالتربة الحمراء، الآخذ من دار الصنعة إلى القرمدة. ثم جدد مولانا أمير المؤمنين أبو عنان، أيده الله، عهد تحصينه وتحسينه، وزاد بناء السور بطرف الفتح، وهو أعظم أسواره غناء، وأعمها نفعاً. وبعث إليه العدد الوافرة والأقوات والمرافق العامة، وعامل الله تعالى فيه بحسن النية، وصدق الإخلاص. ولما كان في الأشهر الأخيرة من عام ستة وخمسين، وقع بجبل الفتح ما ظهر فيه أثر يقين مولانا، أيده الله، وثمرة توكله في أموره على الله، وبان مصداق ما اطرد له من السعادة الكافية. وذلك أن عامل الجبل الخائن الذي ختم له بالشقاء عيسى بن الحسن بن أبي منديل نزع يده المغلولة عن الطاعة، وفارق عصمة الجماعة، وأظهر النفاق، وجمح في الغدر والشقاق، وتعاطى ما ليس من رجاله، وعمي عن مبدأ حاله السيء ومآله، وتوهم الناس أن ذلك مبدأ فتنة تنفق على إطفائها كرائم الأموال، ويستعد لاتقائها بالفرسان والرجال. فحكمت سعادة مولانا، أيده الله ببطلان هذا التوهم، وقضى صدق يقينه بانخراق العادة في هذه الفتنة، فلم تكن إلا أيام يسيرة، وراجع أهل الجبل بصائرهم، وثاروا على الثائر، وخالفوا الشقي المخالف، وقاموا بالواجب من الطاعة، وقبضوا عليه وعلى ولده المساعد له في النفاق، وأتي بهما مصفدين إلى الحضرة العلية، فنفذ فيهما حكم الله في المحاربين، وأراح الله من شرهما. ولما خمدت نار الفتنة أظهر مولانا، أيده الله من العناية ببلاد الأندلس ما لم يكن في حساب أهلها، وبعث إلى جبل الفتح ولده الأسعد المبارك الأرشد أبا بكر، المدعو من السمات السلطانية بالسعيد، أسعده الله تعالى، وبعث معه أنجاد الفرسان ووجوه القبائل وكفاة الرجال، وأدر عليهم الأرزاق، ووسع لهم الإقطاع، وحرر بلادهم من المغارم، وبذل لهم جزيل الإحسان. وبلغ من اهتمامه بأمور الجبل أن أمر، أيده الله، ببناء شكل يشبه شكل الجبل المذكور، فمثل فيه أشكال أسواره وأبراجه وحصنه وأبوابه ودار صنعته ومساجده ومخازن عدده وأهرية زرعه وصورة الجبل، وما اتصل به من التربة الحمراء. فصنع ذلك بالمشور السعيد، فكان شكلاً عجيباً أتقنه الصناع إتقاناً يعرف قدره من شاهد الجبل، وشاهد هذا المثال، وما ذلك إلا لتشوقه، أيده الله، إلى استطلاع أحواله وتهممه بتحصينه وإعداده. والله تعالى يجعل نصر الإسلام بالجزيرة الغربية على يديه، ويحقق ما يؤمله في فتح بلاد الكفار، وشت شمل عباد الصليب. وتذكرت حين هذا التقييد قول الأديب البليغ المفلق أبي عبد الله محمد بن غالب الرصافي البلنسي، رحمه الله، في وصف هذا الجبل المبارك من قصيدته الشهيرة في مدح عبد المؤمن بن علي التي أولها:

لو جئت نار الهدى من جانب الطور ... قبست ما شئت من علم ومن نور

وفيها يقول في وصف الجبل، وهو من البديع الذي لم يسبق إليه، بعد وصفه السفن وجوازها:

حتى رمت جبل الفتحين من جبل ... معظم القدر في الأجيال مذكور

من شامخ الأنف في سحنائه طلس ... له من الغيم جيب غير مزرور

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account