تمسي النجوم على تكليل مفرقه ... في الجو حائمة مثل الدنانير
فربما مسحته من ذوائبها ... بكل فضل على فوديه مجرور
وادردٍ من ثناياه بما أخذت ... منه معاجم أعواد الدهارير
محنك حلب الأيام أشطرها ... وساقها سوق حادي العير للعير
مقيد الخطو جوال الخواطر في ... عجيب أمر به من ماضٍ ومنظور
قد واصل الصمت والإطراق مفتكراً ... بادي السكينة مغبر الأسارير
كأنه مكمد مما تعبده ... خوف الوعيدين من دك وتسيير
أخلق به وجبال الأرض راجفة ... أن يطمئن غداً من كل محذور
ثم استمر في قصيدته على مدح عبد المؤمن بن علي.
قال ابن جزي: ولنعد إلى كلام الشيخ أبي عبد الله قال: ثم خرجت من جبل الفتح إلى مدينة رندة، وهي من أمنع معاقل المسلمين وأجملها وضعاً، وكان قائدها إذ ذاك الشيخ أبو الربيع سليمان بن داود العسكري، وقاضيها ابن عمي الفقيه أبو القاسم محمد بن يحيى بن بطوطة. ولقيت بها الفقيه القاضي الأديب أبا الحجاج يوسف بن موسى المنتشاقري، وأضافني بمنزله، ولقيت بها أيضاً خطيبها الصالح الحاج الفاضل أبا إسحاق إبراهيم المعروف بالشندرخ، المتوفى بعد ذلك بمدينة سلا من بلاد المغرب، ولقيت بها جماعة من الصالحين منهم عبد الله الصفار وسواه. وأقمت بها خمسة أيام.
ثم سافرت منها إلى مدينة مربلة، والطريق فيما بينهما صعب شديد الوعورة، ومربلة بليدة حسنة خصبة. ووجدت بها جماعة من الفرسان متوجهين إلى مالقة، فأردت التوجه في صحبتهم. ثم إن الله تعالى عصمني بفضله فتوجهوا قبلي، فأسروا في الطريق، كما سنذكره. وخرجت في أثرهم، فلما جاوزت حوز مربلة، ودخلت في حوز سهيل، مررت بفرس ميت في بعض الخنادق، ثم مررت بقفة حوات مطروحة بالأرض، فرابني ذلك، وكان أمامي برج الناظور. فقلت في نفسي: لو ظهر ها هنا عدو لأنذر به صاحب البرج. ثم تقدمت إلى دار هنالك، فوجدت فرساً مقتولاً. فبينما أنا هنالك، إذا سمعت الصياح من خلفي، وكنت قد تقدمت أصحابي، فعدت إليهم، فوجدت معهم قائد حصن سهيل، فأعلمني أن أربعة أجفان للعدو ظهرت هنالك، ونزل بعض عمارتها إلى البر. ولم يكن الناظور. بالبرج، فمر بهم الفرسان الخارجون من مربلة، وكانوا اثني عشر، فقتل النصارى أحدهم، وفر واحد، وأسر العشرة. وقتل معهم رجل حوات، وهو الذي وجدت قفته مطروحة بالأرض. وأشار علي ذلك القائد بالمبيت معه في موضعه ليوصلني منه إلى مالقة، فبت عنده بحصن الرابطة المنسوب إلى سهيل. والأجفان المذكورة مرساة عليه. وركب معي بالغد، فوصلنا إلى مدينة مالقة، إحدى قواعد الأندلس، وبلادها الحسان جامعة بين مرافق البر والبحر، كثيرة الخيرات والفواكه. رأيت العنب يباع في أسواقها بحساب ثمانية أرطال بدرهم صغير. ورمانها المرسي الياقوتي لا نظير له في الدنيا. وأما التين واللوز فيجلبان منها ومن أحوازها إلى بلاد المشرق والمغرب. قال ابن جزي: وإلى ذلك أشار الخطيب أبو محمد عبد الوهاب بن علي المالقي في قوله، وهو من مليح التجنيس:
مالقة حييت ياتينها ... فالفلك من أجلك يأتينها
نهى طبيبي عنك في علة ... ما لطبيبي عن حياتي نهى
وذيلها قاضي الجماعة أبو عبد الله بن عبد الملك بقوله في قصد المجانسة:
وحمص لا تنس لها تينها ... واذكر مع التين زياتينها
وبمالقة يصنع الفخار المذهب العجيب، ويجلب منها إلى أقاصي البلاد. ومسجدها كبير الساحة، شهير البركة، وصحنه لا نظير له في الحسن، فيه أشجار النارنج البعيدة. ولما دخلت مالقة، وجدت قاضيها الخطيب الفاضل أبا عبد الله ابن خطيبها الفاضل أبي جعفر ابن خطيبها ولي الله تعالى أبي عبد الله الطنجالي قاعداً بالجامع الأعظم، ومعه الفقهاء ووجوه الناس، يجمعون مالاً برسم فداء الأسارى الذين تقدم ذكرهم. فقلت له: الحمد لله الذي عافاني، ولم يجعلني منهم. وأخبرته بما اتفق لي بعدهم، فعجب من ذلك، وبعث إلي بالضيافة، رحمه الله. وأضافني أيضاً خطيبها أبو عبد الله الساحلي المعروف بالمعمم