ثم سافرت منها إلى مدينة بلش، وبينهما أربعة وعشرون ميلاً. وهي مدينة حسنة، بها مسجد عجيب، وفيها الأعناب والفواكه والتين، كمثل ما بمالقة. ثم سافرنا منها إلى الحمة، وهي بلدة صغيرة، لها مسجد بديع الوضع عجيب البناء. وبها العين الحارة على ضفة واديها، وبينها وبين البلد ميل أو نحوه. وهنالك بيت لاستحمام الرجال، وبيت لاستحمام النساء.
ثم سافرت منها إلى مدينة غرناطة، قاعدة بلاد الأندلس ، وعروس مدنها، وخارجها لا نظير له في بلاد الدنيا، وهو مسيرة أربعين ميلاً، يخترقه نهر شنيل المشهور، وسواه من الأنهار الكثيرة، والبساتين والجنان والرياض والقصور. والكروم محدقة بها من كل جهة. ومن عجيب مواضعها عين الدمع، وهو جبل فيه الرياض والبساتين، لا مثل لها بسواها. قال ابن جزي: لولا خشيت أن أنسب إلى العصبية لأطلت القول في وصف غرناطة، فقد وجدت مكانه. ولكن ما اشتهر كاشتهارها، لا معنى لإطالة القول فيه. ولله در شيخنا أبي بكر محمد بن أحمد بن شيرين البستي، نزيل غرناطة، حيث يقول:
رعى الله من غرناطةٍ متبوأ ... يسر حزيناً أو يجير طريداً
تبرم منها صاحبي عند ما رأى ... مسارحها بالثلج عدن جليدا
هي الثغر، صان الله من أهلت به ... وما خير ثغر لا يكون برودا
ذكر سلطان غرناطة
وكان ملك غرناطة في عهد دخولي إليها السلطان أبا الحجاج يوسف بن السلطان أبي الوليد إسماعيل بن فرج بن إسماعيل بن يوسف بن نصر. ولم ألقه بسبب مرض كان به. وبعثت إلى والدته الحرة الصالحة الفاضلة بدنانير ذهب ارتفقت بها. ولقيت بغرناطة جملة من فضلائها، منهم قاضي الجماعة بها الشريف البليغ أبو القاسم محمد بن أحمد بن محمد الحسيني السبتي، ومنهم فقيهها المدرس الخطيب العالم أبو عبد الله محمد بن إبراهيم البياني، ومنهم قاضيها وعالمها ومقرئها الخطيب أبو سعيد فرج بن قاسم، الشهير بابن لب، ومنهم قاضي الجماعة، نادرة العصر وطرفة الدهر أبو البركات محمد بن محمد بن إبراهيم السلمي البلعبعي. قدم عليها من المرية في تلك الأيام، فوقع الاجتماع به في بستان بالفقيه أبي القاسم محمد ابن الفقيه الكاتب الجليل أبي عبد الله بن عاصم. واقمنا هنالك يومين وليلة.
قال ابن جزي: كنت معهم في ذلك البستان، ومتعنا الشيخ أبو عبد الله بأخبار رحلته، وقيدت عنه أسماء الأعلام الذين لقيهم فيها، واستفدنا منه الفوائد العجيبة. وكان معنا جملة من وجوه أهل غرناطة، منهم الشاعر المجيد الغريب الشأن أبو جعفر أحمد بن رضوان بن عبد العظيم الجذامي. ولهذا الفتى أمر عجيب، فإنه نشأ بالبادية، ولم يطلب العلم، ولا مارس الطلبة. ثم إنه نبغ بالشعر الجيد الذي يندر وقوعه من كبار البلغاء وصدور الطلبة مثل قوله:
يا من اختار فؤادي منزلاً ... بابه العين التي ترمقه
فتح الباب سهادي بعدكم ... فابعثوا طيفكم يغلقه
ولقيت بغرناطة الشيوخ والمتصوفين منهم الفقيه أبا علي عمر بن الشيخ الصالح الولي أبي عبد الله محمد بن المحروق، وأقمت أياماً بزاويته التي بخارج غرناطة، وأكرمني أشد الإكرام.
وتوجهت معه إلى زيارة الزاوية الشهيرة البركة المعروفة برابطة العقاب، والعقاب جبل مطل على خارج غرناطة، وبينهما نحو ثمانية أميال، وهو مجاور لمدينة التيرة الخربة. ولقيت أيضاً ابن أخيه الفقيه أبا الحسن علي بن أحمد بن المحروق بزاويته المنسوبة للجام، بأعلى ربض نجد، من خارج غرناطة، المتصل بجبل السبيكة، وهو شيخ المتسببين من الفقراء.
وبغرناطة جملة من فقراء العجم، استوطنوها لشبهها ببلادهم. ومنهم الحاج أبو عبد الله السمرقندي، والحاج أحمد التبريزي، والحاج إبراهيم القونوي، والحاج حسين الخراساني والحاجان علي ورشيدي الهنديان، وسواهم.