وكان في القافلة تاجر تلمساني يعرف بالحاج زيان. ومن عادته أن يقبض على الحيات، ويعبث بها. وكنت أنهاه عن ذلك، فلا ينتهي. فلما كان ذات يوم أدخل يده في حجر ضب ليخرجه، فوجد مكانه حية، فأخذها بيده. وأراد الركوب، فلسعته في سبابته اليمنى، وأصابه وجع شديد. فكويت يده، وزاد ألمه عشي النهار، فنحر جملاً وأدخل يده في كرشه وتركها كذلك ليلة، ثم تناثر لحم إصبعه، فقطعها من الأصل. وأخبرنا أهل مسوفة ان تلك الحية كانت قد شربت الماء قبل لسعه، ولو لم تكن شربت لقتلته. ولما وصل إلينا الذين استقبلونا بالماء شربت خيلنا. ودخلنا صحراء شديدة الحر، ليست كالتي عهدنا. وكنا نرحل بعد صلاة العصر، ونسري الليل كله وننزل عند الصباح. وتأتي الرجال من مسوفة وبردامة وغيرهم بأحمال الماء للبيع. ثم وصلنا إلى مدينة إيوالاتن في غرة شهر ربيع الأول، بعد سفر شهرين كاملين من سجلماسة. وهي أول عمالة السودان، ونائب السلطان بها فربا حسين، وفربا " بفتح الفاء وسكون الواو وفتح الباء الموحدة " ومعناه النائب. ولما وصلناها جعل التجار أمتعتهم في رحبة، وتكفل لسودان بحفظها، وتوجهوا إلى الفربا، وهو جالس على بساط في سقيف، أعوانه بين يديه بأيديهم الرماح والقسي، وكبراء مسوفة من ورائه. ووقف التجار بين يديه، وهو يكلمهم بترجمان على قربهم منه، احتقاراً لهم. فعند ذلك ندمت على قدومي بلادهم، لسوء أدبهم، واحتقارهم للأبيض. وقصدت دار ابن بداء، وهو رجل فاضل من أهل سلا، كنت كتبت له أن يكتري لي داراً، ففعل ذلك. ثم إن مشرف أيوالاتن، ويسمى منشاجو، " بفتح الميم وسكون النون وفتح الشين المعجم والف وجيم مضموم وواو " استدعى من جاء في القافلة إلى ضيافته، فأبيت حضور ذلك. فعزم الأصحاب علي أشد العزم، فتوجهت فيمن توجه. ثم أتي بالضيافة، وهي جريش أنلي مخلوطاً بيسير عسل ولبن، قد وضعوه في نصف قرعة صيروه شبه الجفنة، فشرب الحاضرون وانصرفوا. فقلت لهم: ألهذا دعانا الأسود ؟ قالوا: نعم، وهي الضيافة الكبيرة عندهم. فأيقنت حينئذ أن لا خير يرتجى منهم، وأردت أن أسافر مع حجاج أيوالاتن، ثم ظهر لي أن أتوجه لمشاهدة حضرة ملكهم. وكانت إقامتي بأيوالاتن نحو خمسين يوماً. وأكرمني أهلها، وأضافوني. منهم قاضيها محمد بن عبد الله بن ينومر، وأخوه الفقيه المدرس يحيى. وبلدة أيوالاتن شديدة الحر، وفيها يسير نخيلات، يزرعون في ظلالها البطيخ. وماؤهم من أحساء بها، ولحم الضأن كثير بها. وثياب أهلها حسان مصرية، وأكثر السكان بها من مسوفة. ولنسائها الجمال الفائق، وهن أعظم شأناً من الرجال.
ذكر مسوفة الساكنين بأيوالاتن
وشأن هؤلاء القوم عجيب، وأمرهم غريب، فأما رجالهم فلا غيرة لديهم، ولا ينتسب أحدهم إلى أبيه، بل ينتسب لخاله، ولا يرث الرجل إلا أبناء أخته دون بنيه. وذلك شيء ما رأيته في الدنيا إلا عند كفار بلاد المليبار من الهنود. وأما هؤلاء فهم مسلمون محافظون على الصلوات وتعلم الفقه وحفظ القرآن. وأما نساؤهم فلا يحتشمن من الرجال، ولا يحتجبن مع مواظبتهن على الصلوات. ومن أراد التزوج منهن تزوج، لكنهن لا يسافرن مع الزوج، ولو أرادت إحداهن ذلك لمنعها أهلها. والنساء هنالك يكون لهن الأصدقاء والأصحاب من الرجال الأجانب، وكذلك للرجال صواحب من النساء الأجنبيات. ويدخل أحدهم داره، فيجد امرأته ومعها صاحبها، فلا ينكر ذلك.
حكاية دخلت يوماً على القاضي بأيوالاتن بعد إذنه في الدخول، فوجدت عنده امرأة صغيرة السن بديعة الحسن، فلما رأيتها ارتبت وأردت الرجوع، فضحكت مني ولم يدركها خجل. وقال لي القاضي: لم ترجع ؟ إنها صاحبتي. فعجبت من شأنهما، فإنه من الفقهاء الحجاج، واخبرت أنه استأذن السلطان في الحج في ذلك العام مع صاحبته، لا أدري، أهي هذه أم لا ؟ فلم يأذن له.
حكاية نحوها