The Travels

ذكر مسوفة الساكنين بأيوالاتن
Read with the dictionary

دخلت يوماً على أبي محمد يندكان المسوفي الذي قدمنا في صحبته، فوجدته قاعداً على بساط، وفي وسط داره سرير مظلل، عليه امرأة معها رجل قاعد، وهما يتحدثان. فقلت له: من هذه المرأة ؟ فقال: هي زوجتي. فقلت: ومن الرجل الذي معها ؟ فقال: هو صاحبها. فقلت له: أترضى بهذا ؟ وأنت قد سكنت بلادنا، وعرفت أمور الشرع. فقال لي: مصاحبة النساء للرجال عندنا على خير وأحسن طريقة، لا تهمة فيها، ولسن كنساء بلادكم. فعجبت من رعونته، وانصرفت عنه، فلم أعد إليه بعدها. واستدعاني في مرات، فلم أجبه. ولما عزمت على السفر إلى مالي، وبينها وبين أيوالاتن مسيرة أربعة وعشرين يوماً للمجد، اكتريت دليلاً من مسوفة، إذ لا حاجة إلى السفر في رفقة إلا من تلك الطريق، وخرجت في ثلاثة من أصحابي. وتلك الطريق كثيرة الأشجار، وأشجارها عادية ضخمة، تستظل القافلة بظل الشجرة منها، وبعضها لا أغصان لها ولا ورق، لكن ظل جسدها بحيث يستظل به الانسان، وبعض تلك الأشجار قد استأسن داخلها، واستنقع فيه ماء المطر، فكأنها بئر، ويشرب الناس من الماء الذي فيها. ويكون في بعضها النحل والعسل، فيشتاره الناس منها. ولقد مررت بشجرة منها. فوجدت في داخلها رجلاً حائكاً، قد نصب بها مرمته، وهو ينسج. فعجبت منه. قال ابن جزي: إن ببلاد الأندلس شجرتين من شجر القسطل، في جوف كل واحدة منهما حائك، ينسج الثياب إحداهما بسندا وادي آش، والأخرى ببشارة غرناطة.

وفي أشجار هذه الغابة التي بين أيوالاتن ومالي ما يشبه ثمرة الإجاص، والتفاح والخوخ والمشمش، وليست بها. وفيها أشجار تثمر شبه الفقوس، فإذا طاب انفلق عن شيء شبه الدقيق، فيطبخونه ويأكلونه، ويباع بالأسواق. ويستخرجون من هذه الأرض حبات كالفول، فيقلونها ويأكلونها، وطعمها كطعم الحمص المقلو. وربما طحنوها وصنعوا منها شبه الإسفنج، وقلوه بالغرتي، والغرتي " بفتح الغين المعجم وسكون الراء وكسر التاء المثناة " هو ثمر كالإجاص، شديد الحلاوة مضر بالبيضان إذا أكلوه، ويدق عظمه، فيستخرج منه زيت لهم فيه منافع، فمنها أنهم يطبخون به، ويسرجون السرج ويقلون به هذا الإسفنج، ويدهنون به، ويخلطونه بتراب عندهم، ويسطحون به الدور، كما تسطح بالجير. وهو عندهم كثير متيسر، ويحمل من بلد إلى بلد في قرع كبار، تسع القرعة منها قدر ما تسعه القلة ببلادنا. والقرع ببلاد السودان يعظم، ومنه يصنعون الجفان. يقطعون القرعة نصفين، فيصنعون منها جفنتين، وينقشونها نقشاً حسناً. وإذا سافر أحدهم يتبعه عبيده وجواريه، يحملون فرشه وأوانيه التي يأكل ويشرب فيها، وهي من القرع.

والمسافر بهذه البلاد لا يحمل زاداً ولا إداماً ولا ديناراً ولا درهماً. إنما يحمل قطع الملح، وحلي الزجاج الذي يسميه الناس النظم، وبعض السلع العطرية. وأكثر ما يعجبهم منها القرنفل والمصطكي وتاسرغنت، وهو بخورهم، فإذا وصل قرية، جاءت نساء السودان بأنلي واللبن والدجاج ودقيق النبق والأرز والفوني، وهو كحب الخردل يصنع من الكسكسو، والعصيدة، ودقيق اللوبيا، فيشتري منهن ما أحب من ذلك. إلا أن الأرز يضر أكله بالبيضان، والفوني خير منه. وبعد مسيرة عشرة أيام من أيوالاتن وصلنا إلى قرية زاغري " وضبطها بفتح الزاي والغين المعجم وكسر الراء " ، وهي قرية كبيرة يسكنها تجار السودان، ويسمون ونجراته " بفتح الواو وسكون النون وفتح الجيم والراء والف وتاء مثناة وتاء تأنيث " ، ويسكن معهم جماعة من البيضان، يذهبون مذهب الإباضية من الخوارج، ويسمون صغنغو " بفتح الصاد المهمل والغين المعجم الأول والنون وضم الغين الثاني وواو " ، والسنيون المالكيون من البيض يسمون عندهم توري " بضم التاء المثناة وواو وراء مكسورة " . ومن هذه القرية يجلب أنلي إلى أيوالاتن.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account