The Travels

ذكر سفري عن مالي
Read with the dictionary

فمن أفعالهم الحسنة قلة الظلم فهم أبعد الناس عنه، وسلطانهم لا يسامح أحداً في شيء منه. ومنها شمول الأمن في بلادهم، فلا يخاف المسافر فيها ولا المقيم من سارق ولا غاصب. ومنها عدم تعرضهم لمال من يموت ببلادهم من البيضان، ولو كان القناطير المقنطرة، إنما يتركونه بيد ثقة من البيضان، حتى يأخذه مستحقه، ومنها مواظبتهم للصلوات، والتزامهم لها في الجماعات، وضربهم أولادهم عليها، وإذا كان يوم الجمعة، ولم يبكر الإنسان إلى المسجد، لم يجد أين يصلي لكثرة الزحام. ومن عادتهم أن يبعث كل إنسان غلامه بسجادته، فيبسطها له بموضع يستحقه بها، حتى يذهب إلى المسجد، وسجاداتهم من سعف شجر يشبه النخل، ولا ثمر له، ومنها لباسهم الثياب البيض الحسان يوم الجمعة، ولو لم يكن لأحدهم إلا قميص خلق غسله ونظفه وشهد به الجمعة، ومنها عنايتهم بحفظ القرآن العظيم، وهم يجعلون لأولادهم القيود إذا ظهر في حقهم التقصير في حفظه، فلا تفك عنهم حتى يحفظوه.

ولقد دخلت على القاضي يوم العيد، وأولاده مقيدون، فقلت له: ألا تسرحهم ؟ فقال: لا أفعل حتى يحفظوا القرآن، ومررت يوماً بشاب منهم حسن الصورة، عليه ثياب فاخرة، وفي رجله قيد ثقيل. فقلت لمن كان معي، ما فعل هذا ؟ أقتل ؟ ففهم عن الشاب وضحك وقيل لي: إنما قيد حتى يحفظ القرآن. ومن مساوئ أفعالهم كون الخدم والجواري والبنات الصغار يظهرن للناس عرايا باديات العورات. ولقد كنت أرى في رمضان كثيراً منهن على تلك الصورة. فإن عادة الفرارية أن يفطروا بدار السلطان، ويأتي كل واحد منهم بطعامه، تحمله العشرون فما فوقهن من جواريه، وهن عرايا. ومنها دخول النساء على السلطان عرايا غير مستترات، وتعري بناته، ولقد رأيت في ليلة سبع وعشرين من رمضان نحو مائة جارية خرجن بالطعام من قصره عرايا، ومعهن بنتان له ناهدان ليس عليهما ستر، ومنها جعلهم التراب والرماد على رؤوسهم تأدباً ومنها ما ذكرته من الأضحوكة في إنشاد الشعراء، ومنها أن كثيراً منهم يأكلون الجيف والكلاب والحمير.

ذكر سفري عن مالي

وكان دخولي إليها في الرابع عشر لجمادى الأولى سنة ثلاث وخمسين، وخروجي عنها في الثاني والعشرين لمحرم سنة أربع وخمسين. ورافقني تاجر يعرف بأبي بكر ابن يعقوب. وقصدنا طريق ميمة. وكان لي جمل أركبه. لأن الخيل غالية الأثمان، يساوي أحدها مائة مثقال، فوصلنا إلى خليج كبير يخرج من النيل، لا يجاز إلا في المراكب. وذلك الموضع كثير البعوض، فلا يمر أحد به إلا بالليل. ووصلنا الخليج ثلث الليل، والليل مقمر.

ذكر الخيل التي تكون بالنيل

ولما وصلنا الخليج رأيت على ضفته ست عشرة دابة ضخمة الخلقة، فعجبت منها، وظننتها فيلة لكثرتها هنالك. ثم إني رأيتها دخلت في النهر. فقلت لأبي بكر ابن يعقوب: ما هذه الدواب ؟ فقال: هي خيل البحر، خرجت ترعى في البر، وهي أغلظ من الخيل. ولها أعراف وأذناب، ورؤوسها كرؤوس الخيل، وأرجلها كأرجل الفيلة. ورأيت هذه الخيل مرة أخرى لما ركبنا النيل من تنبكتو إلى كوكو، وهي تعوم في الماء، وترفع رؤوسها وتنفخ. وخاف منها أهل المركب فقربوا من البر لئلا تغرقهم. ولهم حيلة في صيدها حسنة، وذلك أن لهم رماحاً مثقوبة، قد جعل في ثقبها شرائط وثيقة، فيضربون الفرس منها. فإن صادفت الضربة رجله أو عنقه أنفذته، وجذبوه بالحبل حتى يصل إلى الساحل، فيقتلونه ويأكلون لحمه. ومن عظامها بالساحل كثير. وكان نزولنا عند هذا الخليج بقرية كبيرة، عليها حاكم من السودان حاج فاضل يسمى فربامغا " بفتح الميم والغين المعجم " ، وهو ممن حج مع السلطان منسى موسى لما حج.

حكاية

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account