أخبرني فربامغا أن منسى موسى لما وصل إلى هذا الخليج، كان معه قاض من البيضان يكنى بأبي العباس، ويعرف بالدكالي، فأحسن إليه بأربعة آلاف مثقال لنفقته. فلما وصلوا إلى ميمة، شكا إلى السلطان بأن الأربعة آلاف مثقال سرقت له من داره. فاستحضر السلطان أمير ميمة، وتوعده بالقتل إن لم يحضر من سرقها. وطلب الأمير السارق فلم يجد أحداً، ولا سارق يكون بتلك البلاد. فدخل دار القاضي، واشتد على خدامه، وهددهم. فقالت له إحدى جواريه: ما ضاع له شيء، وإنما دفنها بيده في ذلك الموضع، وأشارت له إلى الموضع. فأخرجها الأمير، وأتى بها السلطان، وعرفه الخبر، فغضب على القاضي، ونفاه إلى بلاد الكفار الذين يأكلون بني آدم، فأقام عندهم أربع سنين، ثم رده إلى بلده. وإنما لم يأكله الكفار لبياضه، لأنهم يقولون: إن أكل الأبيض مضر، لأنه لم ينضج. والأسود هو النضج بزعمهم.
حكاية قدمت على السلطان منسى سليمان جماعة من هؤلاء السودان الذين يأكلون بني آدم، معهم أمير لهم. وعادتهم أن يجعلوا في آذانهم أقراطاً كباراً، وتكون فتحة القرط منها نصف شبر، ويلتحفون في ملاحف الحرير. وفي بلادهم يكون معدن الذهب. فأكرمهم السلطان وأعطاهم في الضيافة خادمة، فذبحوها وأكلوها، ولطخوا وجوههم وأيديهم بدمها، وأتوا السلطان شاكرين. وأخبرت أن عادتهم متى ما وفدوا عليه أن يفعلوا ذلك. وذكر لي عنهم أنهم يقولون إن أطيب ما في لحوم الآدميات الكف والثدي. ثم رحلنا من هذه القرية التي عند الخليج، فوصلنا إلى بلدة قري منسا، وقري " بضم القاف وكسر الراء " ، ومات لي بها الجمل الذي كنت أركبه، فأخبرني راعيه بذلك، فخرجت لأنظر إليه، فوجدت السودان قد أكلوه كعادتهم في أكل الجيف. فبعثت غلامين كنت استأجرتهما على خدمتي ليشتريا لي جملاً بزاغري، وهي على مسيرة يومين. وأقام معي بعض أصحاب أبي بكر ابن يعقوب، وتوجه هو لينتظرنا بميمة. فأقمت سبعة أيام، أضافني فيها بعض الحجاج بهذه البلدة، حتى وصل الغلامان بالجمل.
حكاية وفي أيام إقامتي بهذه البلدة رأيت ليلة فيما يرى النائم كأن إنساناً يقول لي: يا محمد بن بطوطة لماذا لا تقرأ سورة يس في كل يوم ؟ فمن يومئذ ما تركت قراءتها كل يوم، في سفر ولا حضر. ثم رحلت إلى بلدة ميمة " بكسر الميم الأول وفتح الثاني " فنزلنا على آبار بخارجها.
ثم سافرنا منها إلى مدينة تنبكتو " وضبط اسمها بضم التاء المعلوة وسكون النون وضم الباء الموحدة وسكون الكاف وضم التاء المعلوة الثانية وواو " ، وبينها وبين النيل أربعة أميال. وأكثر سكانها مسوفة أهل اللثام، وحاكمها يسمى فربا موسى. حضرت عنده يوماً، وقد قدم أحد مسوفة أميراً على جماعة، فجعل عليه ثوبا وعمام وسروالاً، كلها مصبوغة، وأجلسه على درقة، ورفعه كبراء قبيلته على رؤوسهم. وبهذه البلدة قبر الشاعر المفلق أبي إسحاق الساحلي الغرناطي المعروف ببلده بالطويجن، وبها قبر سراج الدين بن الكويك، أحد كبار التجار من أهل الإسكندرية.
حكاية