The Travels

ذكر سفري عن مالي
Read with the dictionary

كان السلطان منسى موسى لما حج، نزل بروض لسراج الدين هذا، ببركة الحبش خارج مصر، وبها ينزل السلطان. واحتاج إلى مال، فتسلفه من سراج الدين، وتسلف منه أمراؤه أيضاً. وبعث معهم سراج الدين وكيله يقتضى المال، فأقام بمالي. فتوجه سراج الدين بنفسه لاقتضاء ماله، ومعه ابن له. فلما وصل تنبكتو أضافه ابو إسحاق الساحلي، فكان من القدر موته تلك الليلة. فتكلم الناس في ذلك، واتهموا أنه سم. فقال لهم ولده: إني أكلت معه ذلك الطعام بعينه. فلو كان فيه سم لقتلنا جميعاً، لكنه انقضى أجله. ووصل الوالي إلى مالي، واقتضى ماله، وانصرف إلى ديار مصر. ومن تنبكتو ركبت النيل في مركب صغير منحوت من خشبة واحدة. وكنا ننزل كل ليلة بالقرى، فنشتري ما نحتاج إليه من الطعام والسمن، بالملح وبالعطريات وبحلي الزجاج. ثم وصلت إلى بلد أنسيت اسمه، له أمير فاضل حاج يسمى فربا سليمان، مشهور بالشجاعة والشدة. لا يتعاطى أحد النزع في قوسه، ولم أر في السودان أطول منه ولا أضخم جسماً، واحتجت بهذا البلدة إلى شيء من الذرة، فجئت إليه، وذلك يوم مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه، وسألني عن مقدمي. وكان معه فقيه يكتب له. فأخذت لوحاً كان بين يديه، وكتبت فيه: يا فقيه، قل لهذا الأمير: إنا نحتاج إلى شيء من الذرة للزاد، والسلام. وناولت الفقيه اللوح يقرأ ما فيه سراً، ويكلم الأمير في ذلك بلسانه. فقرأه جهراً، وفهمه الأمير. فأخذ بيدي، وأدخلني إلى مشوره، وبه سلاح كثير من الدرق والقسي والرماح، ووجدت عنده كتاب المدهش لابن الجوزي، فجعلت أقرأ فيه.

ثم أتي بمشروب لهم يسمى الدقنو " بفتح الدال المهمل وسكون القاف وضم النون وواو " ، وهو ماء فيه جريش الذرة مخلوط بيسير عسل أو لبن، وهم يشربونه عوض الماء. لأنهم إن شربوا الماء خالصاً أضر بهم، وإن لم يجدوا الذرة خلطوه بالعسل أو اللبن. ثم أتي ببطيخ أخضر فأكلنا منه، ودخل غلام خماسي فدعاه وقال لي: هذا ضيافتك، واحفظه لئلا يفر. فأخذته وأردت الانصراف، فقال: أقم حتى يأتي الطعام. وجاءت إلينا جارية له دمشقية عربية، فكلمتني بالعربي. فبينما نحن في ذلك، إذ سمعنا صراخاً بداره. فوجه الجارية لتعرف خبر ذلك، فعادت إليه، فأعلمته أن بنتاً له قد توفيت، فقال: إني لا أحب البكاء، فتعال نمش إلى البحر، يعني النيل. وله على ساحله ديار. فأتي بالفرس فقال لي: إركب. فقلت: لا أركبه، وأنت ماش. فمشينا جميعاً، ووصلنا إلى دياره على النيل. وأتي بالطعام فأكلنا. وودعته وانصرفت.

ولم أر في السودان أكرم منه ولا أفضل. والغلام الذي أعطانيه باقٍ عندي إلى الآن. ثم سرت إلى مدينة كوكو، وهي مدينة كبيرة على النيل، من أحسن مدن السودان وأكبرها وأخصبها. فيها الأرز الكثير واللبن والدجاج والسمك، وبها الفقوس العناني الذي لا نظير له. وتعامل أهلها في البيع والشراء بالودع، وكذلك أهل مالي. وأقمت بها نحو شهر. وأضافني بها محمد بن عمر، من أهل مكناسة، وكان ظريفاً مزاحاً فاضلاً، وتوفي بها بعد خروجي عنها. وأضافني بها الحاج محمد الوجدي التازي، وهو ممن دخل اليمن، والفقيه محمد الفيلالي إمام مسجد البيضان.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account