The Travels

ذكر سلطان تكدا
Read with the dictionary

ثم سافرت منها برسم تكدا في البر، مع قافلة كبيرة للغدامسيين. دليلهم ومقدمهم الحاج وجين " بضم الواو وتشديد الجيم المعقودة " ، ومعناه الذئب بلسان السودان. وكان لي جمل لركوبي، وناقة لحمل الزاد. فلما رحلنا أول مرحلة وقفت الناقة. فأخذ الحاج وجين ما كان عليها، وقسمه على أصحابه، فتوزعوا حمله. وكان في الرفقة مغربي من أهل تادلي، فأبى أن يرفع من ذلك شيئاً كما فعل غيره. وعطش غلامي يوماً، فطلبت منه الماء، فلم يسمح به. ثم وصلنا إلى بلاد بردامة، وهي قبيلة من البربر " وضبطها بفتح الباء الموحدة وسكون الراء وفتح الدال المهمل وميم مفتوح وتاء تأنيث " . ولا تسير القوافل إلا في خفارتهم. والمرأة عندهم في ذلك أعظم شأناً من الرجل. وهم رحالة لا يقيمون، وبيوتهم غريبة الشكل، ويقيمون أعواداً من الخشب، ويضعون عليها الحصر، وفوق ذلك أعواد مشتبكة، وفوقها الجلود أو ثياب القطن. ونساؤهم أتم النساء جمالاً، وأبدعهن صوراً، مع البياض الناصع والسمن. ولم أر في البلاد من يبلغ مبلغهن في السمن. وطعامهن حليب البقر وجريش الذرة، يشربنه مخلوطاً بالماء غير مطبوخ، عند المساء والصباح. ومن أراد التزوج منهن، سكن بهن في أقراب البلاد إليهن، ولا يتجاوز بهن كوكو ولا أيوالاتن. وأصابني المرض في هذه البلاد، لاشتداد الحر وغلبة الصفراء. واجتهدنا في السير إلى أن وصلنا إلى مدينة تكدا " وضبطها بفتح التاء المعلوة والكاف المعقودة والدال المهمل مع تشديده " . ونزلت بها في جوار شيخ المغاربة سعيد بن علي الجزولي. وأضافني قاضيها أبو إبراهيم إسحاق الجاناتي، وهو من الأفاضل، وأضافني جعفر بن محمد المسوفي. وديار تكدا مبنية بالحجارة الحمر، وماؤها يجري على معادن النحاس، فيتغير لونه وطعمه بذلك، ولا زرع بها إلا يسير من القمح، يأكله التجار والغرباء. ويباع بحساب عشرين مداً من أمدادهم بمثقال ذهب، ومدهم ثلث المد ببلادنا. وتباع الذرة عندهم بحساب تسعين مداً بمثقال ذهب. وهي كثيرة العقارب. وعقاربها تقتل من كان صبياً لم يبلغ، وأما الرجال فقلما تقتلهم.

ولقد لدغت يوماً وأنا بها ولداً للشيخ سعيد بن علي عند الصبح فمات لحينه، وحضرت جنازته. ولا شغل لأهل تكدا غير التجارة. يسافرون كل عام إلى مصر، ويجلبون من كل ما بها من حسان الثياب وسواها. ولأهلها رفاهية وسعة بال، ويتفاخرون بكثرة العبيد والخدم، وكذلك أهل مالي وأيوالاتن. ولا يبيعون المعلمات منهن إلا نادراً وبالثمن الكثير.

حكاية أردت لما دخلت تكدا شراء خادم معلمة فلم أجدها، ثم بعث إلي القاضي أبو إبراهيم بخادم لبعض أصحابه، فاشتريتها بخمسة وعشرين مثقالاً. ثم إن صاحبها ندم ورغب في الإقالة، فقلت له: إن دللتني على سواها أقلتك. فدلني على خادم لعلي أغيول، وهو المغربي التادلي الذي أبى أن يرفع شيئاً من أسبابي حين وقعت ناقتي، وأبى أن يسقي غلامي الماء حين عطش. فاشتريتها منه، وكانت خيراً من الأولى، وأقلت صاحبي الأول. ثم ندم هذا المغربي على بيع الخادم، ورغب في الإقالة، وألح في ذلك. فأبيت الا أن أجازيه بسوء فعله، فكاد أن يجن أو يهلك أسفاً. ثم أقلته بعد.

ذكر معدن النحاس

ومعدن النحاس بخارج تكدا يحفرون عليه في الأرض، ويأتون إلى البلد، فيسبكونه في دورهم. ويفعل ذلك عبيدهم وخدمهم. فإذا سبكوه نحاساً أحمر، صنعوا منه قضباناً في طول شبر ونصف، بعضها رقاق، وبعضها غلاظ. فتباع الغلاظ منها بحساب أربعمائة قضيب بمثقال ذهب، وتباع الرقاق بحساب ستمائة وسبعمائة مثقال. وهي صرفهم، يشترون برقاقها اللحم والحطب، ويشترون بغلاظها العبيد والخدم والذرة والسمن والقمح. ويحملون النحاس منها إلى مدينة كوبر من بلاد الكفار، وإلى زغاي، وإلى بلاد برنو، وهي على مسيرة أربعين يوماً من تكدا. وأهلها مسلمون، لهم ملك اسمه إدريس، لا يظهر للناس، ولا يكلمهم إلا من وراء حجاب.

ومن هذه البلاد يؤتى بالجواري الحسان والفتيان وبالثياب المجسدة. ويحمل النحاس أيضاً منها إلى جوجرة وبلاد المورتيين وسواها.

ذكر سلطان تكدا

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account