ثم سافرنا من أصفهان بقصد زيارة الشيخ مجد الدين بشيراز وبينهما مسيرة عشرة ايام فوصلنا إلى بلدة كليل، " وضبطها بفتح الكاف وكسر اللام وياء مد " وبينها وبين أصفهان مسيرة ثلاثة وهي بلدة صغيرة ذات أنهار وبساتين وفواكه، ورأيت التفاح يباع في سوقها خمسة عشر رطلاً عراقياً بدرهم، ودرهمهم ثلث النقرة ونزلنا منها بزاوية عمرها كبير هذه البلدة المعروف بخواجه كافي، وله مال عريض قد اعانه الله على إنفاقه في سبيل الخيرات من الصدقة وعمارة الزوايا وإطعام الطعام لأبناء السبيل ثم سرنا من كليل يومين ووصلنا إلى قرية كبيرة تعرف بصوماء، وبها زاوبة فيها الطعام للوارد والصادر عمرها خواجة كافي المذكور، ثم سرنا منها إلى يزدخاص " وضبط اسمها بفتح الياء آخر الحروف واسكان الزاي وضم الدال المهمل وخاء معجم والف وصاد مهمل " ، بلدة صغيرة متقنة العمارة حسنة السوق: والمسجد الجامع بها عجيب مبني بالحجارة مسقف بها والبلدة على صفة خندق فيه بساتينها ومياهها، وبخارجها رباط ينزل به المسافرون، عليه باب حديد، وهو في النهاية من الحصانة والمنعة، وبداخله حوانيت يباع فيها كل ما يحتاجه المسافرون. وهذا الرباط عمره الأمير محمد شاه ينجو، والد السلطان أبي إسحاق ملك شيراز، وفي يزدخاص يصنع الجبن اليزد خاصي، ولا نظير له في طيبه وزن الجبنة منه من أوقيتين إلى أربع، ثم سرنا منها على طريق دشت الروم، وهي صحراء يسكنها الأتراك. ثم سافرنا إلى مايين " واسمها بياءين مسفولتين أولاهما مكسورة " وهي بلدة صغيرة كثيرة الأنهار والبساتين حسنة الأسواق، وأكثر أشجارها الجوز. ثم سافرنا منها إلى مدينة شيراز، وهي مدينة أصلية البناء فسيحة الأرجاء شهيرة الذكر منيفة القدر، لها البساتين المونقة والأنهار المتدفقة والأسواق البديعة والشوارع الرفيعة وهي كثيرة العمارة متقنة المباني عجيبة الترتيب وأهل كل صناعة في سوقها لا يخالطهم غيرهم حسان الصور نظاف الملابس وليس في المشرق بلدة تداني مدينة دمشق في حسن أسواقها وبساتينها وأنهارها وحسن صور ساكنيها الا شيراز، وهي في بسيط من الأرض تحف فيها البساتين من جميع الجهات، وتشقها خمسة أنهار، أحدها النهر المعروف بركن آباد وهو عذب الماء شديد البرودة في الصيف، سخن في الشتاء فينبعث من عين في سفح جبل هنالك يسمى القليعة ومسجدها الأعظم يسمى بالمسجد العتيق، وهو أكبر المساجد ساحة وأحسنها بناء، وصحنه متسع مفروش بالمرمر، ويغسل في أوان الحر كل ليلة ويجتمع فيه كبار أهل المدينة كل عشية ويصلون به المغرب والعشاء وبشماله باب يعرف بباب حسن، يفضي إلى سوق الفاكهة وهي من أبداع الأسواق، وأنا أقول بتفضيلها على باب البريد من دمشق. وأهل شيراز أهل صلاح ودين وعفاف، وخصوصا نساؤها وهن يلبسن الخفاف، ويخرجن ملتحفات متبرقعات فلا يظهر منهم شيء ولهن الصدقات والإيثار، ومن غريب حالهن أنهن يجتمعن لسماع الواعظ في كل يوم اثنين وخميس وجمعة بالجامع الأعظم، فربما اجتمع منهن الألف والألفان بأيديهن المراوح، يروحن بها على أنفسهن من شدة الحر. ولم أر اجتماع النساء في مثل عددهن في بلدة من البلاد. وعند دخولي إلى مدينة شيراز لم يكن لي هم الا قصد الشيخ القاضي الإمام قطب الأولياء فريد الدهر ذي الكرامات الظاهرة مجد الدين اسماعيل بن محمد بن خداد، ومعنى خداد عطية الله فوصلت إلى المدرسة المجدية المنسوبة إليه وبها سكناه، وهي من عمارته، فدخلت إليه رابع أربعة من أصحابي، ووجدت الفقهاء وكبار أهل المدينة في انتظاره فخرج إلى صلاة العصر ومعه محب الدين وعلاء الدين ابنا أخي شقيقه روح الدين أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله وهما نائباه في القضاء لضعف بصره وكبر سنه فسلمت عليه وعانقني وأخذ بيدي إلى أن وصل إلى مصلاه، فأرسل يدي وأومأ إلي أن أصلي إلى جانبه ففعلت وصلى العصر ثم قرئ بين يديه من كتاب المصابيح وشوارق الأنوار للصاغاني، وطالعه نائباه بما جرى لديهما من القضايا، وتقدم كبار المدينة للسلام عليه، وكذلك عادتهم معه صباحاً ومساء ثم سألني عن حالي وكيفية قدومي، وسألني عن المغرب ومصر والشام والحجاز فأخبرته بذلك وأمر خدامه فأنزلوني بدويرة صغيرة بالمدرسة وفي غد ذلك اليوم وصل إليه رسول ملك العراق السلطان أبي سعيد وهو ناصر الدين الدرقندي من كبار الأمراء، خراساني الأصل.
The Travels
ذكر المجاورين بمكةHover any word on this page for its meaning
With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.