وبخارج دهلي الحوض العظيم المنسوب إلى السلطان شمس الدين للمش، ومنه يشرب أهل المدينة، وهو بالقرب من مصلاها. وماؤها يجتمع من ماء المطر. وطوله نحو ميلين وعرضه على النصف من طوله. والجهة الغربية من ناحية المصلى مبنية بالحجارة مصنوعة أمثال الدكاكين، بعضها أعلى من بعض، وتحت كل دكان درج ينزل عليها إلى الماء، وبجانب كل دكان قبة حجارة فيها مجالس للمتنزهين والمتفرجين. وفي وسط الحوض قبة عظيمة من الحجارة المنقوشة مجعولة طبقتين. فإذا كثر الماء في الحوض، ولم يكن سبيل إليها إلا في القوارب، فإذا قل الماء دخل إليها الناس، وداخلها مسجد. وفي أكثر الأوقات يقيم بها الفقراء المنقطعون إلى الله المتوكلون عليه، وإذا جف الماء في جوانب هذا الحوض زرع فيها قصب السكر والخيار والقثاء والبطيخ الأخضر والأصفر وهو شديد الحلاوة صغير الجرم. وفيما بين دهلي ودار الخلافة حوض الخاص وهو أكبر من حوض السلطان شمس الدين. وعلى جوانبه نحو أربعين قبة، ويسكن حوله أهل الطرب، وموضعهم يسمى طرب أباد. ولهم سوق هنالك من أعظم الأسواق، ومسجد جامع ومساجد سواه كثيرة. وأخبرت أن النساء المغنيات لساكنات هنالك يصلين التراويح في شهر رمضان بتلك المساجد مجتمعات، ويؤم بهن الائمة، وعددهن كبير، وكذلك الرجال المغنون. ولقد شاهدت الرجال أهل الطرب في عرس الأمير سيف الدين غدا بن مهنا. لكل واحد منهم مصلى تحت ركبته، فاذا سمع الأذان قام فتوضأ وصلى.
ذكر بعض مزاراتها
فمنها قبر الشيخ الصالح قطب الدين بختيار الكعكي، وهو ظاهر البركة كثير التعظيم. وسبب تسمية هذا الشيخ بالكعكي أنه كان إذا أتاه الذين عليهم الديون شاكين من الفقر أو القلة، أو الذين لهم البنات ولم يجدوا ما يجهزوهن به إلى أزواجهن، يعطي من أتاه منهم كعكعة من الذهب أو من الفضة، حتى عرف من أجل ذلك بالكعكي رحمه الله، ومنها قبر الفقيه الفاضل نور الدين الكرلاني " بضم الكاف وسكون الراء والنون " ومنها قبر الفقيه علاء الدين الكرماني نسبة إلى كرمان، وهو ظاهر البركة ساطع النور ومكانه يظهر قبلة المصلى. وبذلك الموضع قبور رجال صالحين كثيرة نفع الله تعالى بهم.
ذكر بعض علمائها وصلحائها
فمنهم الشيخ الصالح العالم محمود الكبا " بالباء الموحدة " ، وهو من كبار الصالحين. والناس يزعمون أنه ينفق من الكون، لأنه لا مال له ظاهر، وهو يطعم الوارد والصادر، ويعطي الذهب والدراهم والأثواب، وظهرت له كرامات كثيرة، واشتهر بها. رأيته مرات كثيرة، وحصلت لي بركته، ومنهم الشيخ الصالح العالم علاء الدين النيلي كأنه منسوب إلى نيل مصر، والله أعلم، كان من أصحاب الشيخ الصالح نظام الدين البزواني. وهو يعظ الناس في كل يوم جمعة، فيتوب كثير منهم بين يديه، ويحلقون رؤوسهم، ويتواجدون ويغشى على بعضهم.
حكاية شاهدته في بعض الأيام وهو يعظ. فقرأ القارئ بين يديه: " يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزله الساعة شيءٌ عظيمٌ يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديدٌ " . ثم كررها الفقيه علاء الدين. فصاح أحد الفقراء من ناحية المسجد صيحة عظيمة، فأعاد الشيخ الآية، فصاح الفقير ثانية ووقع ميتاً. وكنت فيمن صلى عليه، وحضر جنازته. ومنهم الشيخ الصالح العابد صدر الدين الكهراني " بضم الكاف وسكون الهاء وراء ونون " وكان يصوم الدهر ويقوم الليل وتجرد عن الدنيا جميعاً ونبذها، ولباسه عباءة. ويزوره السلطان وأهل الدولة، وربما احتجب عنهم. فرغب السلطان منه أن يقطعه قرى يطعم منها الفقراء والواردين فأبى ذلك. وزاره يوماً وأتى إليه بعشرة آلاف دينار فلم يقبلها وذكروا أنه لا يفطر إلا بعد ثلاث، وأنه قيل له في ذلك فقال: لا أفطر حتى اضطر، فتحل لي الميتة، ومنهم الإمام الصالح العالم العابد الورع الخاشع فريد دهره ووحيد عصره كمال الدين عبد الله الغاري " بالغين المعجم والراء " نسبة إلى غار كان يسكنه خارج دهلي بمقربة من زاوية الشيخ نظام الدين البذاوني زرته بهذا الغار ثلاث مرات.