أكثر جلوسه بعد العصر، وربما جلس أول النهار. وجلوسه على مصطبة مفروشة بالبياض فوقها مرتبة. ويجعل خلف ظهره مخدة كبيرة، وعن يمينه متكأ، وعن يساره مثل ذلك. وقعوده كجلوس الإنسان للتشهد في الصلاة، وهو جلوس أهل الهند كلهم. فإذا جلس وقف أمامه الوزير، ووقف الكتاب خلف الوزير، وخلفهم الحجاب، وكبير الحجاب هو فيروز ملك ابن عم السلطان ونائبه، وهو أدنى الحجاب من السلطان، ثم يتلوه خاص حاجب، ثم يتلوه نائب خاص حاجب، ووكيل الدار ونائبه، وشرف الحجاب وسيد الحجاب، وجماعة تحت أيديهم. ثم يتلو الحجاب النقباء، وهم نحو مائة. وعند جلوس السلطان ينادي الحجاب والنقباء بأعلى أصواتهم: بسم الله. ثم يقف على رأس السلطان الملك الكبير قبولة وبيده المذبة يشرد بها الذباب، ويقف مائة من السلحدارية عن يمين السلطان ومثلهم عن يساره، بأيديهم الدرق والسيوف والقسي. ويقف في الميمنة والميسرة بطول المشور قاضي القضاة ويليه خطيب الخطباء ثم كبار الفقهاء ثم كبار الشرفاء والمشايخ ثم إخوة السلطان وأصهاره ثم الأمراء الكبار ثم كبار الأعزة وهم الغرباء ثم القواد. ثم يؤتى بستين فرساً مسرجة ملجمة بجهازات سلطانية، فمنها ما هو بشعار الخلافة، وهي التي لجمها ودوائرها من الحرير الأسود المذهب، ومنها ما يكون من الحرير الأبيض المذهب. ولا يركب بذلك غير السلطان، فيوقف النصف من هذه الخيل عن اليمين والنصف عن الشمال، بحيث يراها السلطان. ثم يؤتى بخمسين فيلاً مزينة بثياب الحرير والذهب، مكسوة أنيابها بالحديد إعداداً لقتل أهل الجرائم، وعلى عنق كل فيل فياله وبيده شبه الطبرزين من الحديد يؤدبه به، ويقومه لما يراد منه، وعلى ظهر كل فيل شبه الصندوق العظيم يسع عشرين من المقاتلة، وأكثر من ذلك ودونه على حسب ضخامة الفيل وعظم جرمه، وفي أركان هذا الصندوق أربعة أعلام مركوزة. وتلك الفيلة معلمة أن تخدم السلطان وتحط رؤوسها. فإذا خدمت قال الحجاب: بسم الله بأصوات عالية. ويوقف أيضاً نصفها عن اليمين ونصفها عن الشمال خلف الرجال الواقفين. وكل من يأتي من الناس المعينين للوقوف في الميمنة أو الميسرة يخدم عند موقف الحجاب ويقول: بسم الله. ويكون ارتفاع أصواتهم بقدر ارتفاع صوت الذي يخدم. فإذا خدم انصرف إلى موقفه من الميمنة أو الميسرة لا يتعداه، ومن كان من كفار الهنود يخدم، ويقول له الحجاب والنقباء: هداك الله، ويقف عبيد السلطان من وراء الناس كلهم، بأيديهم الترسة والسيوف، فلا يمكن الدخول بينهم إلا بين يدي الحجاب القائمين بين يدي السلطان.
ذكر دخول الغرباء وأصحاب الهدايا إليه
وإن كان بالباب أحد ممن قدم على السلطان بهدية دخل الحجاب إلى السلطان على ترتيبهم، يقدمهم أمير حاجب ونائبه خلفه، ثم خاص حاجب ونائبه خلفه، ثم وكيل الدار ونائبه، ثم سيد الحجاب وشرف الحجاب، ويخدمون في ثلاثة مواضع. ويعلمون السلطان بمن في الباب. فإذا أمرهم أن يأتوا به جعلوا الهدية التي ساقها بأيدي الرجال يقومون بها أمام الناس بحيث يراها السلطان ويستدعى صاحبها، فيخدم قبل الوصول إليه ثلاث مرات، ثم يخدم عند موقف الحجاب. فإن كان رجلاً كبيراً وقف في صف أمير حاجب، وإلا وقف خلفه. ويخاطبه السلطان بنفسه ألطف خطاب ويرحب به. وإن كان ممن يستحق التعظيم فإنه يصافحه أو يعانقه، ويطلب بعض هديته فتحضر بين يديه. فإن كانت من السلاح أو الثياب قلبها بيده، وأظهر استحسانها جبراً لخاطر مهديها وإيناساً له ورفقاً به، وخلع عليه، وأمر له بماءٍ لغسل رأسه، على عادتهم في ذلك بمقدار ما يستحقه المهدي.
ذكر دخول هدايا عماله إليه