The Travels

ذكر بعض أخباره في الجود والكرم
Read with the dictionary

والطعام بدار السلطان على صنفين: طعام الخاص وطعام العام. فأما الخاص فهو طعام السلطان الذي يأكل منه. وعادته أن يأكل في مجلسه مع الحاضرين، ويحضر لذلك الأمراء والخواص وأمير حاجب ابن عم السلطان وعماد الملك سرتيز، وأمير مجلس. ومن شاء السلطان تشريفه أو تكريمه من الأعزة أو كبار الأمراء دعاه فأكل معهم. وربما أراد أيضاً تشريف أحد من الحاضرين، فأخذ إحدى الصحاف بيده، وجعل عليها خبزة ويعطيه اياها، فيأخذها المعطى، ويجعلها على كفه اليسرى، ويخدم بيده اليمنى إلى الأرض. وربما بعث من ذلك الطعام إلى من هو غائب عن المجلس، فبخدم كما يصنع الحاضرون، ويأكله مع من حضره. وقد حضرت مرات الطعام الخاص، فرأيت جملة الذين يحضرون له نحو عشرين رجلاً.

ذكر ترتيب الطعام العام

وأما الطعام العام فيؤتى به من المطبخ، وأمامه النقباء يصيحون: بسم الله. ونقيب النقباء أمامهم، بيده عمود ذهب، ونائبه معه بيده عمود فضة، فإذا دخلوا من الباب الرابع، وسمع من بالمشور أصواتهم، قاموا قياماً أجمعين، ولا يبقى أحد قاعداً إلا السلطان وحده. فإذا وضع الطعام بالأرض، اصطفت النقباء صفاً، ووقف أميرهم وتكلم بكلام يمدح فيه السلطان ويثني عليه، ثم يخدم ويخدم النقباء لخدمته، ويخدم جميع من بالمشور من كبير و صغير. وعادتهم أنه من سمع كلام نقيب النقباء حين ذلك وقف إن كان ماشياً، ولزم موقفه إن كان واقفاً، ولا يتحرك أحد، ولا يتزحزح عن مقامه، حتى يفرغ ذلك الكلام. ثم يتكلم أيضاً نائبه كلاماً نحو ذلك، ويخدم النقباء وجميع الناس مرة ثانية. وحينئذ يجلسون، ويكتب كتاب الباب معرفين بحضور الطعام. وإن كان السلطان قد علم بحضوره، ويعطي المكتوب لصبي من أبناء الملوك موكل بذلك، فيأتي به إلى السلطان فإذا قرأه عين من شاء من كبار الأمراء لترتيب الناس وإطعامهم. وطعامهم الرقاق والشواء والأقراص ذات الجوانب المملوءة بالحلواء، والأرز والدجاج والسمك، وقد ذكرنا ذلك وفسرنا ترتيبهم وعادتهم، أن يكون في صدر سماط الطعام القضاة والفقهاء والخطباء والشرفاء والمشايخ، ثم أقارب السلطان، ثم الأمراء الكبار، ثم سائر الناس. ولا يقعد أحد إلا في موضع معين له، فلا يكون بينهم تزاحم ألبتة. فإذا جلسوا أتي الشربدارية وهم السقاة بأيديهم أواني الذهب والفضة والنحاس والزجاج مملوءة بالنبات المحلول بالماء، فيشربون ذلك قبل الطعام. فإذا شربوا، قال الحجاب: بسم الله، ثم يشرعون في الأكل ويجعل أمام كل إنسان من جميع ما يحتوي عليه السماط، يأكل منه وحده، ولا يأكل أحد مع أحد من طبق واحد. فإذا فرغوا من الأكل أتوا بالفقاع في أكواز القصدير. فإذا أخذوه قال الحجاب: بسم الله، ثم يؤتى بأطباق التنبول والفوفل، فيعطى كل واحد غرفة من الفوفل المهشوم، وخمس عشرة ورقة من التنبول مجموعة مربوطة بخيط حرير أحمر. فإذا أخذ الناس التنبول قال الحجاب: بسم الله، فيقفون جميعاً، ويخدم الأمير المعين للإطعام، ويخدمون لخدمته، ثم ينصرفون. وطعامهم مرتان في اليوم الواحد إحداهما قبل الظهر والأخرى بعد العصر.

ذكر بعض أخباره في الجود والكرم

وإنما أذكر منها ما حضرته وشاهدته وعاينته، ويعلم الله تعالى صدق ما أقول، وكفى به شهيداً. مع أن الذي أحكيه مستفيض متواتر. والبلاد التي تقرب من أهل الهند كاليمن وخراسان وفارس مملوءة بأخباره، يعلمونها حقيقة، ولا سيما جوده على الغرباء، فإنه يفضلهم على أهل الهند ويؤثرهم، ويجزل لهم الإحسان، ويسبغ عليهم الإنعام، ويوليهم الخطط الرفيعة، ويوليهم المواهب العظيمة. ومن إحسانه إليهم أنه سماهم الأعزة، ومنع من أن يدعوا الغرباء، وقال: إن الرجل إذا دعي غريباً انكسر خاطره وتغير حاله. وسأذكر بعضاً مما لا يحصى من عطاياه الجزيلة ومواهبه ان شاء الله تعالى.

ذكر عطائه لشهاب الدين الكازروني وحكايته

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account