"""""" صفحة رقم 107 """"""
قد بلغا الغاية من الاختلاف الذي لا تقدره يصلح عند الساكن النفس السالم من الأحقاد في الزمن الطويل ، ولا ينجبر عند الحقود أبداً ، فلا تلبث أن تراهما قد عادا إلى أجمل الصحبة ، وأهدرت المعاتبة ، وسقط الخلاف ، وانصرفا في ذلك الحين بعينه إلى المضاحكة والمداعبة ، هكذا في الوقت الواحد مراراً . وإذا رأيت هذا من اثنين فلا يخالجك شك ولا يدخلنك ريب ألبتة ولا تتمار في أن بينهما سراً من الحب دفيناً ، واقطع فيه قطع من لا يصرفه عنه صارف . ودونكها تجربة صحيحة وخبرة صادقة . هذا لا يكون إلا عن تكاف ( 1 ) في المودة وائتلاف صحيح ، وقد رأيته كثيراً . ومن أعلامه أنك تجد المحب يستدعي ( 2 ) سماع اسم من يحب ، ويستلذ الكلام في أخباره ويجعلها هجيراه ، ولا يرتاح لشيء ارتياحه لها ، ولا ينهنهه عن ذلك تخوف ان يفطن السامع ويفهم الحاضر ، وحبك الشيء يعمي ويصم ( 3 ) . فلو أمكن المحب ألا يكون حديث في مكان فيه إلا ذكر من يحبه لما تعداه . ويعرض للصادق المودة ان يبتدئ في الطعام وهو له مشته فما هو إلا وقت ما يهتاج له ذكر من يحب صار الطعام غصة في الحلق وشجى في المرئ ، وهكذا في الماء ، وفي الحديث ، فإنه يفاتحكه مبتهجا ، فتعرض له خطرة من خطرات الفكر فيمن يحب ، فتستبين